عبد الله العُتَيِّق
12-20-2010, 08:14 PM
الأُمُّ مدرسةٌ إذا أَعْدَدْتَها أَعْدَدْتَ شَعباً طيِّبَ الأعراقِ
حافظ إبراهيم
لم أظن يوماً أنني سأكتبُ عن أمي باكرَ الوقت، فقد كانت هناك نيةٌ للكتابة عنها، لكن أن أكتب عنها قبل تلك الفترة اللا محدودة فلم يطرأ ذلك عليَّ في حال. تجددت عدةُ أسباب تدعوني لأكتب عنها، لا لأحكي للناس من هي، و إلى من تنتسب، و لا عن نشأتها، فكل ذلك من الخبرِ المكنون الذي هو عن الناس مضنون، و إنما سأكتب عن أمي في كونها مدرسة تحمل في جنباتها عدةَ قاعات لعدة تخصصات، أملتها عليها الحياةُ إملاءً صادقاً، فالحياةُ لا تكذبُ في تعاليمها.
أمي، تلك الروح الشفافةِ طُهْراً، و تلك النفسُ الرائقةُ ذِكراً، التي حَوتْ قلباً احتوى قلوباً، واستوعبتْ نفساً استوعبتْ نفوساً، و حملتْ بين جنبيها نَفَسَاً منحَ أنفاساً لنفوسٍ أُخرى، تلك التي تحملُ في كل لحظةٍ دروساً العمر و السنين، و تنقلُ أخبارَ الأوائلِ من السابقين، و تُوحي بتوجيهاتها للجيل القادمين، هذه الأم التي عرفت من خلالها الكثير، و لم تكن قد عرفتْ خطَّ حرفٍ إلى حرفٍ، و التجارب أنوارٌ تنزلُ على القلوب فتعيَها العقول.
عرَّفتني أمي بأن الحياةَ لا تساوي شيئاً بدون إيمان يَعمُر القلبَ، و يُطهر الروح، و يُنيرُ الجوارح، ذلك الإيمان النوراني الذي يُهذب السلوك و التعامل، الإيمان الحقيقي الذي هو إيمان العجائز، الذي هو إيمانُ الأعمال لا الأقوال، الذي هو إيمان التطبيق لا إيمان التنظير، إيماناً أَرَتْنا إياه، نحن الأبناءَ، واقعاً ملموساً في حياتها، و كلُّ أم تحملُه، إيماناً ينضحُ باليقين و الصدق، لا يعرف الاهتزاز المنتهي بالسقوط، إيماناً الغيبُ فيه كالشهادة، و المجهول كالمعلوم، لأنه إيمانٌ بالمُؤْمَنِ به؛ الله، لا إيمانٌ باسم الإيمان. ففرق.
و عرَّفتْني أمي، بأن الحياةَ لا قيمةَ لها ما لم تكن أنت القيمةَ فيها، فالحياة بدون الإنسان لا شيء، و الحياة بدون أفعال الإنسان مجردَ زمان يمُرُّ، أو مكانٍ يزول، و إنما الحياة التي بأفعال الإنسانِ فهي الحياة التي تبقى، و إن ذهبَ الإنسان أبْقَتْه مذكوراً، لأنه خلَّدها، و كان الجزاءُ من جنس العمل، إحساناً بإحسان. وكانت كذلك، فلا تزال تشُد عزمها بين فَيْنات الحياة و أحيان الوقتِ لتُبقيَ لها شيئاً من العمل الخالد، من الأعمال التي تنطوي تحت وصف ” الباقياتُ الصالحات”، دون كللٍ أو مللٍ.
عرَّفتني أمي، بأن أبذُلَ دون تخوُّفٍ من المجهول، فلا يخافُ المجهول من هو متصلٌ بربِّ المعلوم و المجهول، ومن بيده كل شيء، حيث آمنتْ بأن العطاءَ يجلبُ الأخذ، لهذا كانتْ لا تنقطعُ عن عطاءٍ، فكان سلسلةً متواصلة، تتجدد كل حينٍ، و لا ينقطعُ كرمُ الكريم، و لو انقطع الكريم.
عرَّفتني أمي، بأن إرشاد الناسِ ينبوع صدق الروح، فهو ينبعثُ من نفسٍ شفافةٍ، تحملُ همَّ الحياة، و تقلق لهمِّ حياةٍ ثانية، فكان الإرشاد الجسرَ السليم، المصنوع من ذهب الصدقِ، على نارِ الخوفِ، حتى غداً صافياً، تتهاوى أمام ذُهوب الجنانِ، إذ قلبُ الصادقينَ ذهبُ الله في الحيوات.
عرَّفتني أمي، بأن السماحَ عن الناسِ منقبةٌ لا يصل إليها إلا من كان ربانيَّ الوَصْل، إلَهيَّ القصد، فهي منزلةٌ لا يبلغها أيُّ دَعيٍّ من الناس، و إنما يبلُغها من اُخْتِيْروا ليكونوا منائرَ الناس، ومنابرَ الحياة. لذلك، كثيراً ما تلهجُ بالصفح و العفو، و تستغفرُ ربَّها الغفور لمن أخطأ عليها.
عرَّفتني أمي، بألا أقفَ عن مواصلةِ السعي نحو هدفي، فإنني سأصِلُ إليه، و كانت تقول: حيثُ بدأتَ، فختما ستنتهي. و كنتُ أفسِّرُ ذلك بأن الله حيث أبْدأَ أحداً بشيءٍ فإنه سينتهي به كتبَ له من النهاية. لذلك كانت أمي تديم المواصلة، و لا تعرف التعبَ. وهل في حياة أمي تعب؟!
عرَّفتني أمي، بمتابعة الناس، و القلقِ لهم، و السهرِ لشأنهم، فكانت كثيرة السؤال عمن علِمَتْ أن به شيئاً من سوء، فلا تهنأ حتى تطمئن، و إذا اطمأنتْ أعادت الاطمئنان، في دورةٍ من حُسن الاعتناء، فحاملُ همِّ الناسِ هُو الناسُ.
عرَّفتني أمي، بأن الحياةَ بالناس، و أن الناسَ الأقربُ فالأقرب، لذلك لَزِمَتْ الوصلَ، فكانت سيدة الفضل، فدأبَتْ تسعى دون وقوف لجمعِ أطرافِ الرحم المتفرِّق، فصنعت السُّنَنَ الحِسان، و أقامت الطريق الكميل، فغدا على طريقتها القوم سيراً، و يَحمدون لها سُراها.
عرَّفتني أمي، أن الصبرَ كل شيء، فأجبرت الصبرَ على الملل من صبرها، فحثَّته على أن يتصبَّر، فعلَّمت الصبرَ أن يصبرَ، فكانت مدرسةً فيه، و عُحبةً من عجائبه.
عرَّفتني أمي، بُحسن أخلاق الحياة، و أن الحياة لا تكون جميلة إلا بأخلاقها. و يُجيبُنا فعلها على سؤالنا الكبير: و كيف تكون أخلاق الحياة جميلة؟ ليُجيبَ: بأخلاقكم، فكانت رمزاً ومثالاً في أخلاقها الحِسان، نموذجاً رائعاً، ومن عرَفها عن قُربٍ أدركَ أنني قصَّرتُ في النعتِ و الوصف.
عرَّفتني أمي، بحفظ الجميل، فلا تعرفُ النكران، و لا تؤمن بالجحود، فلا زالتْ أفعالها على جادةٍ سابقة، كانت على حال أبي، فكانت حافظةً الوفاءَ لأهله بعد موته، جاعلةً إياهم، و فروعهم كأهلها، قلَّ من يصنع ذلك في زمن لا يكون الكاملون إلا نادرون.
تلك أمي، التي عرَّفتني بالكثير، ووهبت الكثير، و منحت الكثير، التي ملأت الدارَ ذكراً، و البيتَ من الطاعةِ نوراً، و الزمانَ من الأخلاقِ نماذجَ، و المكان من الأفعالِ مناهجاً، تلك هي التي تبرأت من وصمةِ عارٍ، و التي طَهُرَتْ من وَسْمة عيب، التي لَحقها برُّ الأبناء، و حُب الأحفاد النجباء، تلك هي أمي أنا حيث أكتب عنها، و لكلٍّ أمٌّ كأُمِّي، فقد غدتْ الأمهاتُ مدارسَ الحياة، و أجملْ بِهنَّ من مدارس يَحملْنَ دروسَ الله في الحياةِ للأجيال.
دعواتٌ تعلو السماءَ لتكوني سعيدةً في الحياة، حميدةً في الدنيا، مجيدةً في الطُهر، رشيدةً في الرأي، رفيدةً في المصاعب، وَلِيْدةً في التميز، خليدةً طويلاً في العُمر.
http://alotaig.com/?p=329
حافظ إبراهيم
لم أظن يوماً أنني سأكتبُ عن أمي باكرَ الوقت، فقد كانت هناك نيةٌ للكتابة عنها، لكن أن أكتب عنها قبل تلك الفترة اللا محدودة فلم يطرأ ذلك عليَّ في حال. تجددت عدةُ أسباب تدعوني لأكتب عنها، لا لأحكي للناس من هي، و إلى من تنتسب، و لا عن نشأتها، فكل ذلك من الخبرِ المكنون الذي هو عن الناس مضنون، و إنما سأكتب عن أمي في كونها مدرسة تحمل في جنباتها عدةَ قاعات لعدة تخصصات، أملتها عليها الحياةُ إملاءً صادقاً، فالحياةُ لا تكذبُ في تعاليمها.
أمي، تلك الروح الشفافةِ طُهْراً، و تلك النفسُ الرائقةُ ذِكراً، التي حَوتْ قلباً احتوى قلوباً، واستوعبتْ نفساً استوعبتْ نفوساً، و حملتْ بين جنبيها نَفَسَاً منحَ أنفاساً لنفوسٍ أُخرى، تلك التي تحملُ في كل لحظةٍ دروساً العمر و السنين، و تنقلُ أخبارَ الأوائلِ من السابقين، و تُوحي بتوجيهاتها للجيل القادمين، هذه الأم التي عرفت من خلالها الكثير، و لم تكن قد عرفتْ خطَّ حرفٍ إلى حرفٍ، و التجارب أنوارٌ تنزلُ على القلوب فتعيَها العقول.
عرَّفتني أمي بأن الحياةَ لا تساوي شيئاً بدون إيمان يَعمُر القلبَ، و يُطهر الروح، و يُنيرُ الجوارح، ذلك الإيمان النوراني الذي يُهذب السلوك و التعامل، الإيمان الحقيقي الذي هو إيمان العجائز، الذي هو إيمانُ الأعمال لا الأقوال، الذي هو إيمان التطبيق لا إيمان التنظير، إيماناً أَرَتْنا إياه، نحن الأبناءَ، واقعاً ملموساً في حياتها، و كلُّ أم تحملُه، إيماناً ينضحُ باليقين و الصدق، لا يعرف الاهتزاز المنتهي بالسقوط، إيماناً الغيبُ فيه كالشهادة، و المجهول كالمعلوم، لأنه إيمانٌ بالمُؤْمَنِ به؛ الله، لا إيمانٌ باسم الإيمان. ففرق.
و عرَّفتْني أمي، بأن الحياةَ لا قيمةَ لها ما لم تكن أنت القيمةَ فيها، فالحياة بدون الإنسان لا شيء، و الحياة بدون أفعال الإنسان مجردَ زمان يمُرُّ، أو مكانٍ يزول، و إنما الحياة التي بأفعال الإنسانِ فهي الحياة التي تبقى، و إن ذهبَ الإنسان أبْقَتْه مذكوراً، لأنه خلَّدها، و كان الجزاءُ من جنس العمل، إحساناً بإحسان. وكانت كذلك، فلا تزال تشُد عزمها بين فَيْنات الحياة و أحيان الوقتِ لتُبقيَ لها شيئاً من العمل الخالد، من الأعمال التي تنطوي تحت وصف ” الباقياتُ الصالحات”، دون كللٍ أو مللٍ.
عرَّفتني أمي، بأن أبذُلَ دون تخوُّفٍ من المجهول، فلا يخافُ المجهول من هو متصلٌ بربِّ المعلوم و المجهول، ومن بيده كل شيء، حيث آمنتْ بأن العطاءَ يجلبُ الأخذ، لهذا كانتْ لا تنقطعُ عن عطاءٍ، فكان سلسلةً متواصلة، تتجدد كل حينٍ، و لا ينقطعُ كرمُ الكريم، و لو انقطع الكريم.
عرَّفتني أمي، بأن إرشاد الناسِ ينبوع صدق الروح، فهو ينبعثُ من نفسٍ شفافةٍ، تحملُ همَّ الحياة، و تقلق لهمِّ حياةٍ ثانية، فكان الإرشاد الجسرَ السليم، المصنوع من ذهب الصدقِ، على نارِ الخوفِ، حتى غداً صافياً، تتهاوى أمام ذُهوب الجنانِ، إذ قلبُ الصادقينَ ذهبُ الله في الحيوات.
عرَّفتني أمي، بأن السماحَ عن الناسِ منقبةٌ لا يصل إليها إلا من كان ربانيَّ الوَصْل، إلَهيَّ القصد، فهي منزلةٌ لا يبلغها أيُّ دَعيٍّ من الناس، و إنما يبلُغها من اُخْتِيْروا ليكونوا منائرَ الناس، ومنابرَ الحياة. لذلك، كثيراً ما تلهجُ بالصفح و العفو، و تستغفرُ ربَّها الغفور لمن أخطأ عليها.
عرَّفتني أمي، بألا أقفَ عن مواصلةِ السعي نحو هدفي، فإنني سأصِلُ إليه، و كانت تقول: حيثُ بدأتَ، فختما ستنتهي. و كنتُ أفسِّرُ ذلك بأن الله حيث أبْدأَ أحداً بشيءٍ فإنه سينتهي به كتبَ له من النهاية. لذلك كانت أمي تديم المواصلة، و لا تعرف التعبَ. وهل في حياة أمي تعب؟!
عرَّفتني أمي، بمتابعة الناس، و القلقِ لهم، و السهرِ لشأنهم، فكانت كثيرة السؤال عمن علِمَتْ أن به شيئاً من سوء، فلا تهنأ حتى تطمئن، و إذا اطمأنتْ أعادت الاطمئنان، في دورةٍ من حُسن الاعتناء، فحاملُ همِّ الناسِ هُو الناسُ.
عرَّفتني أمي، بأن الحياةَ بالناس، و أن الناسَ الأقربُ فالأقرب، لذلك لَزِمَتْ الوصلَ، فكانت سيدة الفضل، فدأبَتْ تسعى دون وقوف لجمعِ أطرافِ الرحم المتفرِّق، فصنعت السُّنَنَ الحِسان، و أقامت الطريق الكميل، فغدا على طريقتها القوم سيراً، و يَحمدون لها سُراها.
عرَّفتني أمي، أن الصبرَ كل شيء، فأجبرت الصبرَ على الملل من صبرها، فحثَّته على أن يتصبَّر، فعلَّمت الصبرَ أن يصبرَ، فكانت مدرسةً فيه، و عُحبةً من عجائبه.
عرَّفتني أمي، بُحسن أخلاق الحياة، و أن الحياة لا تكون جميلة إلا بأخلاقها. و يُجيبُنا فعلها على سؤالنا الكبير: و كيف تكون أخلاق الحياة جميلة؟ ليُجيبَ: بأخلاقكم، فكانت رمزاً ومثالاً في أخلاقها الحِسان، نموذجاً رائعاً، ومن عرَفها عن قُربٍ أدركَ أنني قصَّرتُ في النعتِ و الوصف.
عرَّفتني أمي، بحفظ الجميل، فلا تعرفُ النكران، و لا تؤمن بالجحود، فلا زالتْ أفعالها على جادةٍ سابقة، كانت على حال أبي، فكانت حافظةً الوفاءَ لأهله بعد موته، جاعلةً إياهم، و فروعهم كأهلها، قلَّ من يصنع ذلك في زمن لا يكون الكاملون إلا نادرون.
تلك أمي، التي عرَّفتني بالكثير، ووهبت الكثير، و منحت الكثير، التي ملأت الدارَ ذكراً، و البيتَ من الطاعةِ نوراً، و الزمانَ من الأخلاقِ نماذجَ، و المكان من الأفعالِ مناهجاً، تلك هي التي تبرأت من وصمةِ عارٍ، و التي طَهُرَتْ من وَسْمة عيب، التي لَحقها برُّ الأبناء، و حُب الأحفاد النجباء، تلك هي أمي أنا حيث أكتب عنها، و لكلٍّ أمٌّ كأُمِّي، فقد غدتْ الأمهاتُ مدارسَ الحياة، و أجملْ بِهنَّ من مدارس يَحملْنَ دروسَ الله في الحياةِ للأجيال.
دعواتٌ تعلو السماءَ لتكوني سعيدةً في الحياة، حميدةً في الدنيا، مجيدةً في الطُهر، رشيدةً في الرأي، رفيدةً في المصاعب، وَلِيْدةً في التميز، خليدةً طويلاً في العُمر.
http://alotaig.com/?p=329