زياد عوض
01-04-2011, 12:32 AM
:
(باب) :
ماهي الولادة ؟
ماهو مصيرنا حين ننتقل من طور الإعداد إلى السطح الصلد المعبّدة به المصائر ؟
التنصلُ من الأشياء , أو العبور من هوية إلى أخرى يكون ضيّقا بالضرورة , فالأبواب المصيرية لاتقبل الولوج بالكليّة , يلزمنا الخلع حتى نتمكن من العبور , نعبرُ بالأصل وتُخلع الدواخل , يكون الأصل ربما بذرة , ننبت بها من جديد بهويتنا التي عبرنا من أجلها , وخلعنا سوابقنا قسراً طمعاً بمصائرنا التي نظنها قادمة .
الإنسان يشبه الأشجار بالتجذّر . إن قطعت شجرة من نصف جذعها الأعلى , بقي الأسفل بذات الجذور الأصل , يسقط الورق والغصن الذي يحدد الهوية , ويبقى الجذرالمغذي . وإن اقتلعت شجرة بجذورها أجمع , بقيت فجوة وإن ملئتها بالتراب , يبقى المكان يحدد الفراغ الذي تجددّ , وحتماً تتغير المحيطات التي تعودت على الظل و صد الرمال .
يلدُ الإنسان بالإنتماء , يكون بملامحٍ تشكّلت حسبما استقرت عليه الجينات التي وهبت إليه من أبويه , مبدأ الوعي يبدأ بالتشكل في عمرٍ يختلف من عقلٍ إلى آخر معتمداً علىالتغذية والظروف المحيطة , وحين يبدأ الوعي يكون الإنسان قد تشكّل حسبما عبر به محيطة , ويكون الأمر منوطاً بتحوّلات يتشكّل بها ليشذّب وعيه كيفما أتيح له .
كأشجار الطرقات تماماً , يأتون بها وقد اقتلعوها من موطنها الأصل , يشّذبونها كيفما تجري العادة لتتلائم مع المحيط , ولكنّها تبقى ذات الشجرة التي نبتت بالأصل .
(1)
مازلت أذكر جميلة .. كان المنزل هو الفضاء , وشجرة الزيتون الكبيرة المحتوية فناء المنزل , التي أقسمت لنفسي أنها أكبر شجرة عرفتها الأرض , كانت أرضي وثوراتي .
كنت أتسلّقها كل صباح وأجزم لنفسي أنها ازدادت ورقاً وعلواً . وأن العصافير تنامُ بين أغصانها لأن العالم كله يحاول اصطيادها وشجرة الزيتون فقط هي القادرة على الإحتواء الآمن .
أطلقتُ على الزيتون اسم "جميلة" .. كنتُ أحسبني عصفوراً وجميلة هي قصيدتي التي أنام بها . كانتُ امي دائماً ما توبخني لتسلقي جسد الزيتون , ولا تفهمني حين
أقول لها بأنني أحبها . فبهذا العمر البسيط بالتفكير العميق بالشعور . لايستطيع الطفل ان يقول للجميع هذا ملاذي وإحتوائي . ازداد توبيخ أمي , وكانت تهددني أنها
ستقتلع جميلة إن لم أتوقف عن التسلّق . صرخت بذات صباح عتيم وملئت فراغ المنزل بنبراتي , كنت قد سقطت من فوق غصنٍ رقيق لم يتحمل كتلة جسدي المتطلب للإحتوء .
إلتوى كاحلي , بكت أمي كثيراً و وبختني . ولم أكن أستطيع الفهم بسنواتي الخمس , أن أمي ألحت على أبي حتى أتى بمن اقتلعوا جميلة من المنزل , لأنها مصابة بالخوف علي .
كان كل مايعبر صدري وعيني هو الملاذ الذي اقتلعوه , كانت جميلة وطني . بكيت كثيراً وامتنعت عن الأكل لأيام , وكنت مقتنعاً أن جميلة ستعود بعصافيرها لاجلي .
كان امر استيقاظي باكراً كل صباح قبل ان يكون النوم قد انخلع من عين أمي , لأجل وطني المفقود . كنتُ أسكب الكثير من الماء بمكان نبتها .
ولم أكن لأقنتع أبداً لو قال لي أحدهم أنها لن تعود أبداً , فقد كنتُ أؤمن بجميلة فقط . استهلاكي للكثير من الماء , سبب أزمة مخيفة بالمنزل , أصبح استهلاك الماء للشهر
الواحد يعادل شهرين . كان الجميع بالمنزل يتسائلون ويقتصدون بالإستهلاك , وكنت أنا أزيدُ كل يومٍ مقدار استهلاكي الحالم للماء . لم يكن يعلم الجميع أنني أسكبُ الماء
بثغر الأرض المتعطش للإرتواء , حتى ينبتُ لي وطني .. حتى تعود لي جميلة !
(2)
مازلت أذكر .. كنت الجسد الأوسط في جانبية الشارع الممتدة , كنت أركض حافياً من كل الأشياء التي ننتعلها .. إلا البكاء , أبحث عن سوسن !
لأنني أحب الأشياء , أطلقت على عصفورتي (سوسن) .. كانت سوسن الوطن التالي من بعد جميلة , بعد ان اقتلعوا وطني وثوراتي , حطت سوسن على كتفي من السماء .
كانت عصفورة بيضاء , كنتُ أقول لهم أنها ولدت في السحابة تلك , كنت كل يومٍ أختار سحابة لتلد منها سوسن , وأقول لهم : سوسن أتت من تلك الغمامة .
مازلت أذكر سوسن وكأنها من فوق كفي تشربُ الماء والأناشيد التي خلقتها من أجلها , وكأنها من فوق كفي تنقرها .. تنبشُ الحب و الوطن .
استيقظتُ كالعصافير ذات صباحٍ مقصوص الجناحين , بترت سوسون كتفيّ أحلامي .. مارست رفرفة الغياب التي تلقي بنا إلى أخفض قيعان الحنين إليهم .
ركضتُ إلى خارج إحتواءت المنزل , قبّلتُ الشوارع و الجدران على ان تعيد لي سوسن , لم أكن قادراً على تحمّل عبء الرحيل والغياب من جديد , فجميلة اقتلعت معها ضلعين من صدري .
أذكرُ أنني تسلّقت كل أشجار الحي , فتشت وجوه الأغصان الخشبية .. أبحثُ عن سوسن . أبحثُ عن وطني الذي مارس الغياب مرة أخرى !
بعد ان اقتلعوا جميلة , طارت سوسن .. كنتُ مكتئباً جداً لأنني التهمت كف قناعتي التي كانت تقول : أن الأشياء والبشر دائما سأصاب منهم بالخذلان .
لم أكن أشبهني بعد أن فقدتُ جميلة , كان ألم رحيلها و غياب إحتوائها كفيلٌ بأن يحولني إلى بذرة لأنبتُ بي من جديد بأغصان طباعٍ مختلفة , واحتياج إحتواءٍ آخر
كانت سوسن من بعد ولادتي الثانية من بعد جميلة , طارت سوسن .. و قُصّت جناحاي , و بدأت أنمو بجناحين مختلفين , و ممارسة رفرفة مختلفة !
كبرتُ من بعدهن (سوسن وجميلة) , وعبر بي الكثير من التسوسن والجميلات , وكنت ألد من جديد بعد كل التهامة تتقنها أفواه الرحيل المتمرّسة بالإبتلاع .
(باب آخر) :
لاعجب إن قلت إن الإنسان يشبه الأشجار . فالأشجار تمر بأربع ولاداتٍ كل عام , هي الأشجار ذاتها .. ولكنّ الغصن اختلف والورق سقط , ونبت المختلف .
نحنُ نعبر الطرقات الصلدة المعبدة بها المصائر , تنصبُ علينا الأقدار تطرق رؤس أرواحنا وجذورنا , تؤول بنا إلى رحمٍ جديد , نتشكّل به كيفما عبرت بنا الفجائع .
نحنُ نصاب بالخريف , تسقط كل أوراقنا التي تحدد هويتنا حتى نصبح عراة من كل الأشياء الدالة علينا , يعبر بنا فصل النبت من جديد , ننبت بالورق الذي يخرجُ منأحشائنا .
ولادتنا الأولى تكون البذرة , التي ننبت بها إلى الأرض . تتشكّل طباعنا و مشاعرنا مع كل مرة نلدُ بها من جديد
نحنُ نعبر بالأشياء عبوراً ضيّقاً يشبه الولادة , نخرج وقد سقط منا أشياءً كنا نحملها مذ آخر ولادة .
الشجرة تمر عليها الفصول .. تتغير أشكالها وأوراقها , تبقى الجذور هي ذات الجذور , يبقى الأصل وتُخلعُ الدواخل التي كانت قد تسلقت هويتها الأولى .
الإنسان حين يلد للمرة الأولى , يلدُ بالأصل .. ليعبر بعدها بالكثير من الولادات التي تحدد هويته المتجددة , و ملامح وتيرتة التي يشكّلها كيفما تعبر به الأشياء .
مثل الأشجار تماماً . مهما عبر الإنسان بعدة ولادات , فإنه يبقى بالأصل ذات الإنسان , ذو الجذور ذاتها , والإحتياج إلى الإحتواء .. ذاته .
كم مرةً ولدت ؟
زياد عوض . 13 تشرين الأول 2010
(باب) :
ماهي الولادة ؟
ماهو مصيرنا حين ننتقل من طور الإعداد إلى السطح الصلد المعبّدة به المصائر ؟
التنصلُ من الأشياء , أو العبور من هوية إلى أخرى يكون ضيّقا بالضرورة , فالأبواب المصيرية لاتقبل الولوج بالكليّة , يلزمنا الخلع حتى نتمكن من العبور , نعبرُ بالأصل وتُخلع الدواخل , يكون الأصل ربما بذرة , ننبت بها من جديد بهويتنا التي عبرنا من أجلها , وخلعنا سوابقنا قسراً طمعاً بمصائرنا التي نظنها قادمة .
الإنسان يشبه الأشجار بالتجذّر . إن قطعت شجرة من نصف جذعها الأعلى , بقي الأسفل بذات الجذور الأصل , يسقط الورق والغصن الذي يحدد الهوية , ويبقى الجذرالمغذي . وإن اقتلعت شجرة بجذورها أجمع , بقيت فجوة وإن ملئتها بالتراب , يبقى المكان يحدد الفراغ الذي تجددّ , وحتماً تتغير المحيطات التي تعودت على الظل و صد الرمال .
يلدُ الإنسان بالإنتماء , يكون بملامحٍ تشكّلت حسبما استقرت عليه الجينات التي وهبت إليه من أبويه , مبدأ الوعي يبدأ بالتشكل في عمرٍ يختلف من عقلٍ إلى آخر معتمداً علىالتغذية والظروف المحيطة , وحين يبدأ الوعي يكون الإنسان قد تشكّل حسبما عبر به محيطة , ويكون الأمر منوطاً بتحوّلات يتشكّل بها ليشذّب وعيه كيفما أتيح له .
كأشجار الطرقات تماماً , يأتون بها وقد اقتلعوها من موطنها الأصل , يشّذبونها كيفما تجري العادة لتتلائم مع المحيط , ولكنّها تبقى ذات الشجرة التي نبتت بالأصل .
(1)
مازلت أذكر جميلة .. كان المنزل هو الفضاء , وشجرة الزيتون الكبيرة المحتوية فناء المنزل , التي أقسمت لنفسي أنها أكبر شجرة عرفتها الأرض , كانت أرضي وثوراتي .
كنت أتسلّقها كل صباح وأجزم لنفسي أنها ازدادت ورقاً وعلواً . وأن العصافير تنامُ بين أغصانها لأن العالم كله يحاول اصطيادها وشجرة الزيتون فقط هي القادرة على الإحتواء الآمن .
أطلقتُ على الزيتون اسم "جميلة" .. كنتُ أحسبني عصفوراً وجميلة هي قصيدتي التي أنام بها . كانتُ امي دائماً ما توبخني لتسلقي جسد الزيتون , ولا تفهمني حين
أقول لها بأنني أحبها . فبهذا العمر البسيط بالتفكير العميق بالشعور . لايستطيع الطفل ان يقول للجميع هذا ملاذي وإحتوائي . ازداد توبيخ أمي , وكانت تهددني أنها
ستقتلع جميلة إن لم أتوقف عن التسلّق . صرخت بذات صباح عتيم وملئت فراغ المنزل بنبراتي , كنت قد سقطت من فوق غصنٍ رقيق لم يتحمل كتلة جسدي المتطلب للإحتوء .
إلتوى كاحلي , بكت أمي كثيراً و وبختني . ولم أكن أستطيع الفهم بسنواتي الخمس , أن أمي ألحت على أبي حتى أتى بمن اقتلعوا جميلة من المنزل , لأنها مصابة بالخوف علي .
كان كل مايعبر صدري وعيني هو الملاذ الذي اقتلعوه , كانت جميلة وطني . بكيت كثيراً وامتنعت عن الأكل لأيام , وكنت مقتنعاً أن جميلة ستعود بعصافيرها لاجلي .
كان امر استيقاظي باكراً كل صباح قبل ان يكون النوم قد انخلع من عين أمي , لأجل وطني المفقود . كنتُ أسكب الكثير من الماء بمكان نبتها .
ولم أكن لأقنتع أبداً لو قال لي أحدهم أنها لن تعود أبداً , فقد كنتُ أؤمن بجميلة فقط . استهلاكي للكثير من الماء , سبب أزمة مخيفة بالمنزل , أصبح استهلاك الماء للشهر
الواحد يعادل شهرين . كان الجميع بالمنزل يتسائلون ويقتصدون بالإستهلاك , وكنت أنا أزيدُ كل يومٍ مقدار استهلاكي الحالم للماء . لم يكن يعلم الجميع أنني أسكبُ الماء
بثغر الأرض المتعطش للإرتواء , حتى ينبتُ لي وطني .. حتى تعود لي جميلة !
(2)
مازلت أذكر .. كنت الجسد الأوسط في جانبية الشارع الممتدة , كنت أركض حافياً من كل الأشياء التي ننتعلها .. إلا البكاء , أبحث عن سوسن !
لأنني أحب الأشياء , أطلقت على عصفورتي (سوسن) .. كانت سوسن الوطن التالي من بعد جميلة , بعد ان اقتلعوا وطني وثوراتي , حطت سوسن على كتفي من السماء .
كانت عصفورة بيضاء , كنتُ أقول لهم أنها ولدت في السحابة تلك , كنت كل يومٍ أختار سحابة لتلد منها سوسن , وأقول لهم : سوسن أتت من تلك الغمامة .
مازلت أذكر سوسن وكأنها من فوق كفي تشربُ الماء والأناشيد التي خلقتها من أجلها , وكأنها من فوق كفي تنقرها .. تنبشُ الحب و الوطن .
استيقظتُ كالعصافير ذات صباحٍ مقصوص الجناحين , بترت سوسون كتفيّ أحلامي .. مارست رفرفة الغياب التي تلقي بنا إلى أخفض قيعان الحنين إليهم .
ركضتُ إلى خارج إحتواءت المنزل , قبّلتُ الشوارع و الجدران على ان تعيد لي سوسن , لم أكن قادراً على تحمّل عبء الرحيل والغياب من جديد , فجميلة اقتلعت معها ضلعين من صدري .
أذكرُ أنني تسلّقت كل أشجار الحي , فتشت وجوه الأغصان الخشبية .. أبحثُ عن سوسن . أبحثُ عن وطني الذي مارس الغياب مرة أخرى !
بعد ان اقتلعوا جميلة , طارت سوسن .. كنتُ مكتئباً جداً لأنني التهمت كف قناعتي التي كانت تقول : أن الأشياء والبشر دائما سأصاب منهم بالخذلان .
لم أكن أشبهني بعد أن فقدتُ جميلة , كان ألم رحيلها و غياب إحتوائها كفيلٌ بأن يحولني إلى بذرة لأنبتُ بي من جديد بأغصان طباعٍ مختلفة , واحتياج إحتواءٍ آخر
كانت سوسن من بعد ولادتي الثانية من بعد جميلة , طارت سوسن .. و قُصّت جناحاي , و بدأت أنمو بجناحين مختلفين , و ممارسة رفرفة مختلفة !
كبرتُ من بعدهن (سوسن وجميلة) , وعبر بي الكثير من التسوسن والجميلات , وكنت ألد من جديد بعد كل التهامة تتقنها أفواه الرحيل المتمرّسة بالإبتلاع .
(باب آخر) :
لاعجب إن قلت إن الإنسان يشبه الأشجار . فالأشجار تمر بأربع ولاداتٍ كل عام , هي الأشجار ذاتها .. ولكنّ الغصن اختلف والورق سقط , ونبت المختلف .
نحنُ نعبر الطرقات الصلدة المعبدة بها المصائر , تنصبُ علينا الأقدار تطرق رؤس أرواحنا وجذورنا , تؤول بنا إلى رحمٍ جديد , نتشكّل به كيفما عبرت بنا الفجائع .
نحنُ نصاب بالخريف , تسقط كل أوراقنا التي تحدد هويتنا حتى نصبح عراة من كل الأشياء الدالة علينا , يعبر بنا فصل النبت من جديد , ننبت بالورق الذي يخرجُ منأحشائنا .
ولادتنا الأولى تكون البذرة , التي ننبت بها إلى الأرض . تتشكّل طباعنا و مشاعرنا مع كل مرة نلدُ بها من جديد
نحنُ نعبر بالأشياء عبوراً ضيّقاً يشبه الولادة , نخرج وقد سقط منا أشياءً كنا نحملها مذ آخر ولادة .
الشجرة تمر عليها الفصول .. تتغير أشكالها وأوراقها , تبقى الجذور هي ذات الجذور , يبقى الأصل وتُخلعُ الدواخل التي كانت قد تسلقت هويتها الأولى .
الإنسان حين يلد للمرة الأولى , يلدُ بالأصل .. ليعبر بعدها بالكثير من الولادات التي تحدد هويته المتجددة , و ملامح وتيرتة التي يشكّلها كيفما تعبر به الأشياء .
مثل الأشجار تماماً . مهما عبر الإنسان بعدة ولادات , فإنه يبقى بالأصل ذات الإنسان , ذو الجذور ذاتها , والإحتياج إلى الإحتواء .. ذاته .
كم مرةً ولدت ؟
زياد عوض . 13 تشرين الأول 2010