إذا كان سقراط شهيد الفلسفة , فنحن جميعا شهداء لعدم توافر نصوص تؤصل و تؤطر هذا الرمز الفلسفي العظيم ! ..
للأسف كل ما نعرفه عن أب الفلسفة الأخلاقية هو ما نقله لنا تلامذته و بالأخص أفلاطون ..
حتى نتطرق يارفاق هذا المتكأ للجانب الأكثر إظلاما في حياة هذا الرمز فقد مات بسبب مناوئته للديموقراطية ! ..
كان منتقدا عالي الصوت ضد الحكم الديموقراطي الذي يساوي بين الفلاسفة و العامة و بين علم الفلسفة و الشعر ! ..
و كان يمتدح النظام الأرستوقراطي في اسبرطة على حساب النظام الديموقراطي في مدينته أثينا ..
فحوكم محاكمة شكلية غير عادلة :( لاستعادة هيبة الحكومة التي ضربت بقسوة بعد هزيمتها على يد الاسبارطيين , و مات رمزا لحرية الرأي و سمو الفكر رافضا للحلول الوسط و الإذعان لمطالب السياسيين ! ..
محاكمة شكلية هزتني من صغري هي و محاكمة جان دارك و محاكمة آن بولين ..جعلتني أمقت كل أشكال التزييف و الفساد
الفيلسوف الذي شطر الفلسفة شطرين؛ ماقبله وما بعده
والذي أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض
ومن الوجود إلى الإنسان بعبارته:
"اعرف نفسك"
السفسطائيون جعلوا الفلسفة للإنسان بعد أن كانت الفلسفة متجهة للعالم الخارجي ، و لكن دون مذهب معين فقد كانوا معلمي بيان لا معلمي فكر و فلسفة في الوقت الذي كانت فيه أثينا مركز الفكر بعد حربها وانتصارها على الفرس ، بحاجة إلى معلم فكر وكان سقراط معلم أثينا في طور الفلسفة.
يبدو أن هذا الفيلسوف قد ورث عن أمه مهنة التوليد
فكما كانت أمه تولد البشر، كان هو يولد الأفكار من العقول الحوامل،
إذ طفق يتحرى حقيقة ذلك باحثاً عن العلم أو الحكمة لدى الشعراء والخطباء والسياسيين وأصحاب الحرف
فكان في بحثه هذا مولداً للأفكار.
إن ماخلد ذكر سقراط أنه كان يحث مواطنيه على الفضيلة
ويرشدهم إلى الخير و يستحثهم على ذلك
كما تستحث النحلة الفرس على الحركة على حد تعبيره...
لذلك كانت شخصيته أبعد تأثيراً في نفوس تلاميذه من دورسه النظرية،
حيث يطغى الجانب العملي على الجانب النظري.
فقد كانت محاوراته تدور حول موضوعات أخلاقية وثيقة الصلة بالحياة العملية ولهذا فإن المدارس السقراطية التي ظهرت بعده أخذت تعنى بالعمل على حساب العلم.
لم يكن لسقراط مذهباً فلسفياً واضحاً ولكن كان هذا منهجه ،
ولم يخلف لنا فكراً بقدر ما قدم لنا منهجاً للتفلسف...
كان يتبع مرحلتين :-
1- مرحلة سلبية يتصنع فيها الجهل ويلقي الأسئلة على محاوريه مدعياً طلب التعليم منهم، وما زال في أسئلته في تركيب محكم تخفي سخرية لاذعة وراء سذاجة مقصودة مستخدماً كثيراً من التشبيهات والأمثلة من الواقع المحسوس مما يضفي على الحوار صورة حية تمكن الحاضرين من متابعة المناقشة دون أن يدع للمتحاور معه فرصة أن ينحرف عن الموضوع حتى يوقعه في الحيرة والتناقض، وهو يتبع ذلك غالباً مع أدعياء العلم والحكمة، ذلك جانب التهكم...
2- وهي مرحلة إيجابية تسمى (التوليد) يساعد سقراط محاوره على الوصول إلى الحقيقة بنفسه، ولا يفرض سقراط رأيه في الموضوع الذي أثاره والذي انتقد فيه رأي من يحاوره.
قد تكون مسألة إعدام سقراط هي التي أضفت عليه تلك الهالة من القداسة في نفوس المثقفين بعامة ودارسي الفلسفة بخاصة على مر العصور، والصورة قدمها لنا أخلص تلاميذه أفلاطون، وهي بقدر ما تضفي من قداسة على سقراط بوصفه شهيد الكلمة وحرية الرأي بقدر ما يشير أصبع الاتهام إلى أثينا ونظامها الديمقراطي، ولا شك أن أثينا قد أخطأت في حق نفسها بقدر ما أجرمت في حق سقراط حين أعدمته.
لقد كان المواطنون الاثينيون الكبار في السن على استعداد لتشريفه لو حاول استعادة الدين القديم الذي يؤمن بتعدد الآلهة، ولو أنه دعا الشباب المتحرر من الخرافات والأساطير القديمة إلى المعابد والحدائق المقدسة. وطلب منهم مرة ثانية تقديم الأضاحي لآلهة آبائهم. ولكنه اعتقد أن تلك سياسة انتحارية لا أمل فيها وأنها تقدم إلى الوراء. لقد كان له ايمانه الخاص به، لقد آمن بإله واحد، وآمن باعتدال أن الموت سوف لا يقضي عليه تماماً، أدرك أن هناك شريعة أخلاقية أبدية لا يمكن أن تقوم على دين ضعيف كالدين الذي آمنت به أثينا في ذلك الوقت. وإذا كان الانسان يقدر على بناء نظام من الأخلاق مستقل تماماً عن المبادئ الدينية، ويطبق على الملحد والقسيس على السواء، عندئذ قد تأتي الديانة وتروح من غير أن تحل الاسمنت الأخلاقي الذي يجعل من الأفراد مواطنين مسالمين في المجتمع.
أعدموه لأنه كشف لهم جهلهم.. لأنه سخر من حكومة ديمقراطية يحل العدد فيها محل الحكمة ويرأسها الجاهل لا الحكيم..
سجل تلميذه أفلاطون لحظات موته في نثر أشد روعة من الشعر وهو الدفاع البسيط الذي أعلن فيه أول شهيد للفلسفة حقوق الانسان، وضرورة حرية الأفكار..