قراقوش حاكم يضرب به المثل ظلما و زورا لكل حاكم فاسد الحكم
فكلما أراد الناس أن يصنعوا حكما بالجور و الفساد قالوا : هذا حكم
قراقوش.
و معنى قراقوش بالتركية : النسر الأسود ( قوش : نسر ، قرأ : أسود )
فمن قراقوش ؟
إنه أحد قواد الإسلام و كان أعجوبة في أمانته..اتصل هذا الفتي بضابط
كبير ألا وهو أسد الدين شيركوه..و كان هذا الضابط يعمل هو و أخوه نجم
الدين أيوب في خدمة الملك عماد الدين ثم مات الخليفة و خلفه ولده نور الدين
محمود...ثم اتصل بخدمة القائد صلاح الدين الأيوبي فكان مثالا للأمانة..
و القدرة على مواصلة العمل فما لبث أن أصبح أميرا من أمراء الجيش و هو
الجيش الذي دخل مصر.
و كان بارعا في جميع الأمور التي أسندت إليه فمنها :
1- حراسة القصر الفاطمي.
2-إنشاؤه الأعمال الحربية.
3-حصاره عكا.
4-حماية عرش الملك العزيز.
5-قيامه بالوصاية على عرش المنصور الذي كان صبيا.
6- بنى سور القاهرة.
7- لما وقع الخلاف بين ورثة صلاح الدين ، و كادت تقع بينهم الحروب ما كفهم
و لا أصلح بينهم إلا قراقوش.
هذا هو قراقوش ، فمن أين جاءت تلك الوصمة التي وصم بها ؟ و من الذي يوّه
هذه الصورة السوية ؟
إنها جريمة الأدب و الحقد و سموم الحسد .
لقد أساء أحد معاصريه و هو الكاتب البارع ابن مماتي ( و اسمه أسعد بن الخطير أبي سعيد
مهذب بن مينا بن زكريا بن قدامة ابن أبي مليح ) إلى قراقوش..و السبب أن ابن مماتي كان
موظفا في ديوان صلاح الدين و كان الرؤساء يخشونه و يتحاملونه و يجاملونه و يتملقونه بالود
حينا و بالعطاء حينا آخر.
و لكن قراقوش و هو الرجل العسكري الذي لا يعرف الملق ، و لا المداراة لم يعبأ به ، و لم يخش
شره ، و لم يدر أن سن القلم أقوى من سنان الرمح و أن طعنة الرمح تجرح الجرح فيشفى ، أو
تقتل المجروح فيموت ، أما طعنة القلم فتجرح جرحا لا يشفى ، و لا يريح من ألمه الموت.
فألف ابن مماتي رسالة صغيرة سماها : ( الفافوش في أحكام قراقوش )
و وضع حكايات و نسبها إليه و صدقها الناس (1)..و نسوأ التأريخ و إليكم أيها السادة
نص الكتاب :
( إنني لما رأيت عقل بهاء الدين قراقوش (2) قد أتلف الأمة ، والله يكشف عنهم كل غمه ،
و لا يعرف المظلوم من الظالم . الشكية عنده لمن سبق ، و لا يهتدي لمن صدق. و لا يقدر
أحد من عظم منزلته على أن يرد كلمته ، و يشتط (3)اشتياط الشيطان ، و يحكم حكما ما أنزل
الله به من سلطان ، صنفت هذا الكتاب لصلاح الدين ، عسى أن يريح منه المسلمين.
و كان قراقوش رجلا صقلبيا يميل إلى البيض و يكره السود...الخ .
ثم ساق الكاتب ما أراد سوقه من الحكايات الدالة على ذلك و منها :
فأول حكومة أن امرأة حجازية لها جارية تركية ، قالت لقراقوش :
إن هذه جاريتي قد أساءت الأدب عليّ. فنظر قراقوش إلى بياض الجارية التركية
و سواد الحجازية فقال للحجازية : و يلك ! خلق الله جارية تركية لجارية سوداء حجازية ؟
ما أنا مطغوم(4) و لا مدوخ يا غلمان ودوا(5) هذه الحجازية الحجرة !
فمكثت الحجازية شهرا و ما لبتث أن عادت إليه تقول :
إنني قد أعتقتها لوجه الله تعالى. فقال :
هذه الحال متى تعتقك ، فإنك جاريتها ، و إن أرادت بيعك فتبيعك ، و إن أرادت عتقك فتعتقك.
فقالت الحجازية للتركية : اعملي معي مثل ما عملت معك. فقالت التركية : و ما تريدين مني ؟
فقالت الحجازية : أن تعتقيني فقالت التركية : إني قد أعتقت سيدتي الحجازية فقال قراقوش :
جزاك الله خيرا !!
و أتاه ثلاثة أنفس : أحدهم أجرود سناط (6) و الاثنان كبيرا اللحيتين ، و قد نتف الأجرود ذقونهما
فقال الرجلان : يا مولانا بهاء الدين ، خذ لنا حقنا من هذا ، فقد نتف ذوقننا و خرق ثيابنا.
فنظر قراقوش إلى الأجرود السناط و قال : و يلكم ! نتفتم ذقن هذا الصبي و جئتم تشكونه !
ودهما الحبس ، و لا تخرجوهما حتى يطلع ذقن هذا الصبي !
و قيل إن امرأة أتته بولدها ، فقالت : يا سيدي إن ودي يشتمني ، فأمر بحبسه سنه ، فلم يأخذ
أمه تلك الليلة نوم ، فلما أصبحت راحت إلى السجانين و قالت : ما الحيلة في خلاص ولدي
من هذا الحبس ؟ فقالوا لها : هاتي حلاوتنا و نعرفك إيش ، ( أي شيء ) تقولين للأمير بهاء الدين
قراقوش ؛ فدفعت إليهم الفضة ، و قالوا لها : روحي الساعة إلى الأمير ، و قولي له : يا سيدي ،
أنا امرأة حبست لي ولدي سنة ، و قد انقضت السنة ، فأخرج لي ولدي ، فأتت المرأة إلى الأمير
قراقوش ، و قالت له ذلك. فقال لها : روحي بلا محال قد بقي له من السنة سبعة أيام ، من سوى
أمس و غدا. فمضت المرأة و علمت السجانين ، فقالوا لها : هذه نعمة. فإذا كان غدا روحي إليه
و قولي له : قد انقضت السبعة أيام .
فأصبحت المرأة و جاءته ، فلما نظر إليه قال : يا امرأة ، حتى تغرب الشمس ! يا غلام. فإذا
غربت الشمس ، فأطلق لها ولدها من الحبس . و لا ترجعي تجيبيه (7) أو يحبسوه سنتين..الخ !
و قيل : إنه سبق رجلا بفرس له ، فسبقه الرجل بفرسه ، فحلف أنه لا يعلفه ثلاثة أيام . فقال
له السابق : يا مولاي يموت . فقال له قراقوش : احلف لي أنك إذا علفته يا هذا ، لا تعلمه
أنني دريت بذلك (!) .
قيل : و أتوه بغلام له ركبدار (8) ، و قد قتَل ، فقال : اشنقوه ! فقيل له : إنه حدّادُك ،
و ينعل لك الفرس فإن شنقته انقطعت منه. فنظر قراقوش قبالة بابه لرجل قفاص (9)
فقال : ليس لنا بهذا القفاص حاجة ! فلما أتوه به ، قال اشنقوا القفاص ، و سيبوا الركبدار
الحداد ، الذي ينعل لنا الفرس (!) .
و توقف النيل بمصر أياما ؛ فنظر إلى جِمال السقايين عشرين و عشرين ، ففكر عند ذلك و قال :
فإنا نقول الماء ما يوفى من هذا إلا فات (10) . يا غلمان ، نادوا في المدينة : قد أمر بهاء الدين
قراقوش لا يملي أحد من البحر إلا جملا واحدا.
ففعلوا ذلك ، فأوفى النيل. فقال لهم : يا هؤلاء الويل لكم إن عدموتني ، فكيف رأيتم رأي عليكم ؟
فما هو إلا رأي مبارك (!)
-----
(1) انظر رجال من التاريخ لعلي الطناطوي ص 309-311
(2) في القاموس : الفشوش الأحمق ، و فشي الرجل افتخر بالباطل و فشفش ضعف
رأيه و أفرط في الكذب ، و محزمة على وزن مكنسة ما يحزم به : و المعنى ان عقل
قراقوش لا ينطوي إلا على الغباء و الحمق.
(3) هكذا وردت بالأصل. و الصحيح أنها اشتاط ليكون مصدرها اشتياطا. غير أننا لا نملك
هنا تصحيح النص على هذا النحو حتى لا نضربه.
(4)الطغامة كسحابه الأحمق ، و الطغمومة الحماقة ، و تطغم تجاهل.
(5) يريد أن يقول ( خذوا ) و هي لهجة مصرية لم تزل مستعملة بمصر إلى اليوم.
(6) السناط : الخفيف العارض الذي لا لحيه له أصلا ، أو لحيفة بالذقن و ما بالعارضين شيء.
(7) سيجد القارئ في هذه الحكايات عددا من الألفاظ العامية.
(8) لعلها ركابدار أي صاحب الركاب .
(9) القفاص هنا : صانع الأقفاص جمع قفص.
(10) كذا بالأصل . و قد نقلت نص الكتاب من كتاب في النوادر للأستاذ محمد سعيد كمال
(1) في كتابه : الدرر السنية في الرد على الوهابية ص 46 : و له ترجمة في كتاب فهرس
الفهارس ( 1/55) و انظر صيانة الإنسان عن وسوسة ابن دحلان لمحمد بشير السهسواني.
(2) انظر : الضياء الشارق ص 25 ، لا أدري أيهما الأول السابق في نقل هذا الكلام و لعل
ابن دحلان كما فعلت-هوالسابق-و الزهاوي هو اللاحق.
(3)الأسنة الحداد في رد شبهات حلاوي الحداد ص 20 .
(4)الرسائل الشخصية للإمام محمد بن عبدالوهاب -القسم الخامس ص 106-104 .
(5) انظر : بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله الجزء الثاني ص 55-57 .
(6) رد المختار جـ 3 ص 309 .
(7)فتنة الوهابية ص 66 .
(8) البدر الطالع ج 2/5. قال ذلك الشوكاني قبل أن يتضح لح حقيقة الدعوة و لكن بعد ذلك
صار من أنصارها و المدافعين عنها.